أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
460
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كتب . والعامل فيها « كتب » لأنه عامل في صاحبها . الخامس : أن يكون في محلّ رفع لأنّه صفة للصيام ، وهذا مردود بأنّ الجارّ والمجرور من قبيل النكرات والصيام معرفة ، فكيف توصف المعرفة بالنكرة ؟ وأجاب أبو البقاء عن ذلك « بأنّ الصيام غير معيّن » كأنه يعني أنّ « أل » فيه للجنس والمعرّف بأل الجنسية عندهم قريب من النكرة ، ولذلك جاز أن تعتبر لفظة مرة ومعناه أخرى ، قالوا : « أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض » ومنه : 842 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني * فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني « 1 » وقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ « 2 » وقد تقدّم الكلام على مثل قوله : « الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ » ، كيف وصل الموصول بهذا ، والجواب عنه في قوله : خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ « 3 » . قوله : « أَيَّاماً » في نصبه أربعة أوجه : أظهرها : أنه منصوب بعامل مقدّر يدلّ عليه سياق الكلام تقديره : صوموا أياما ، ويحتمل هذا النصب وجهين : إمّا الظرفية وإمّا المفعول به اتساعا . الثاني : أنه منصوب بالصيام ، ولم يذكر الزمخشري غيره ، ونظّره بقولك : « نويت الخروج يوم الجمعة » ، وهذا ليس بشيء ، لأنّه يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي ، وهو قوله : « كما كتب » لأنه ليس معمولا للمصدر على أيّ تقدير قدّرته . فإن قيل : يجعل « كما كتب » صفة للصيام ، وذلك على رأي من يجيز وصف المعرّف بأل الجنسية بما يجرى مجرى النكرة فلا يكون أجنبيا . قيل : يلزم من ذلك وصف المصدر قبل ذكر معموله ، وهو ممتنع . الثالث : أنه منصوب بالصيام على أن تقدّر الكاف نعتا لمصدر من الصيام ، كما قد قال به بعضهم ، وإن كان ضعيفا ، فيكون التقدير : « الصيام صوما كما كتب » فجاز أن يعمل في « أياما » « الصيام » لأنه إذ ذاك عامل في « صوما » الذي هو موصوف ب « كما كتب » فلا يقع الفصل بينهما بأجنبي بل بمعمول المصدر . الرابع : أن ينتصب بكتب : إمّا على الظرف وإمّا على المفعول به توسّعا ، وإليه نحا الفراء وتبعه أبو البقاء . قال الشيخ « 4 » : « وكلا القولين خطأ : أمّا النصب على الظرف فإنه محلّ للفعل ، والكتابة ليست واقعة في الأيام ، لكن متعلّقها هو الواقع في الأيام . وأمّا النصب على المفعول اتّساعا فإنّ ذلك مبنيّ على كونه ظرفا لكتب ، وقد تقدّم أنه خطأ . و « معدودات » صفة ، وجمع صفة ما لا يعقل بالألف والتاء مطّرد نحو هذا ، وقوله « جبال راسيات - وأيام معلومات » . قوله : أَوْ عَلى سَفَرٍ في محلّ نصب عطفا على خبر كان . و « أو » هنا للتنويع ، وعدل عن اسم الفاعل ، فلم يقل : « أو مسافرا » إشعارا بالاستعلاء على السفر لما فيه من الاختيار بخلاف المرض فإنه قهريّ .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة يس ، آية ( 37 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 21 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 31 ) .